الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

222

نفحات القرآن

على هذا فإنّ « التوفّي » يكون بمعنى أخذ الشئ بصورة كاملة وهذا التعبير يدل بوضوح على هذه الحقيقة وهي أنّ الموت لا يعني الفناء أبداً ، بل نوع تام من أنواع القبض ، والأخذ أخذ روح الإنسان بصورة تامّة ، دليلٌ واضح وملموس على أنّ روح الإنسان لا تفنى بعد « التوفّي » ( أي الأخذ الكامل ) لها . ومن الجدير بالذكر أنّ هذه الآية وردت في الجواب عن تساؤل منكري المعاد ، وقد نُقل عنهم في الآية السابقة قولهم : « وَقَالُوا ءَاذَا ضَلَلْنَا فِي الْارْضِ ءَإِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيْدٍ » . فأجابهم تعالى في هذه الآية : « أنّكم لستم أجساداً فحسب كي تضلوا بعد الموت ، بل إنّ الروح هي الأصل في وجودكم والتي تتوفاها الملائكة ، وسوف تُعادُون وتحشرون يوم القيامة ( بالجسم والروح معاً ) وكما قلنا آنفاً : إنّ هذا التعبير قد تكرر ذكره في آيات متعددة في القرآن وقد اكّد عليه كثيراً » . إنّ خطاب الآيات القرآنية فيه ارشاد للاثبات بعدم النظر إلى الموت من منظارٍ مادّي أبداً ، فالمادّيّون يعتقدون بأنّ الموت نهاية الطريق بالنسبة للإنسان وينادون دائماً بهذا الشِعار : « انْ هِىَ الّا حَيَاتُنَا الدُّنيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا » بينما لا يكون الموت إلّاعبارة عن الانتقال من « الحياة الدنيئة » إلى « الحياة الراقية » ويتم ذلك الانتقال بواسطة ملائكة اللَّه . وفي بعض الموارد نسب اللَّه التوفّي إلى نفسه : قال تعالى : « اللَّهُ يَتَوَفَّى الْانْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا » . ( الزمر / 42 ) وقال من موضعٍ آخر : « وَلكِنْ اعْبُدُ اللَّهَ الَّذِى يَتَوفَّاكُمْ » . ( يونس / 104 ) ومن البديهي أن لا يوجد هناك تناقض بين تعبيرات القرآن الثلاثة المذكورة ( التوفي من قبل اللَّه والتوفي بواسطة ملك الموت والتوفّي بواسطة الملائكة ) ، لأنّ هؤلاء جميعهم يطيعون أمر اللَّه ، واللَّه عزّ وجلّ هو الفاعل الحقيقي ، كما أنّ الملائكة التي تتوفّى الأرواح لهم رئيس أيضاً الذي يسمى بملك الموت وسائر الملائكة الموكلين بقبض الأرواح يعتبرون مسيّرين من قبل هذا المَلك .